جلال الدين السيوطي
587
الإتقان في علوم القرآن
آخذون في البكاء يجدّدونه شيئا بعد شيء ؛ وهو المسمى حكاية الحال الماضية ، وهذا هو سرّ الإعراض عن اسم الفاعل والمفعول . ولهذا أيضا عبّر ب ( الذين ينفقون ) ولم يقل : ( المنفقون ) ، كما قيل : ( المؤمنون ، والمتقون ) ؛ لأنّ النفقة أمر فعليّ ، شأنه الانقطاع والتجدّد . بخلاف الإيمان ، فإنّ له حقيقة تقوم بالقلب ، يدوم مقتضاها ، وكذلك التقوى والإسلام والصبر والشكر والهدى والعمى والضلالة والبصر ؛ كلّها لها مسمّيات حقيقية أو مجازية تستمرّ ، وآثار تتجدّد وتنقطع ، فجاءت بالاستعمالين . وقال تعالى في سورة الأنعام : يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [ الأنعام : 95 ] . قال الإمام فخر الدين : لمّا كان الاعتناء بشأن إخراج الحيّ من الميت أشدّ أتى فيه بالمضارع ، ليدلّ على التجدّد ، كما في قوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] . تنبيهات : الأول : المراد بالتجدّد في الماضي الحصول : وفي المضارع أنّ من شأنه أن يتكرّر ويقع مرة بعد أخرى . صرّح بذلك جماعة ؛ منهم الزمخشري « 1 » في قوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] . قال الشيخ بهاء الدين السبكيّ : وبهذا يتّضح الجواب عمّا يورد من نحو ( علم اللّه كذا ) فإنّ علم اللّه لا يتجدد ، وكذا سائر الصفات الدائمة التي يستعمل فيها الفعل . وجوابه : أنّ معنى ( علم اللّه كذا ) وقع علمه في الزمن الماضي ، ولا يلزم أنه لم يكن قبل ذلك ، فإنّ العلم في زمن ماض أعمّ من المستمرّ على الدوام قبل ذلك الزمن وبعده وغيره ، ولهذا قال تعالى حكاية عن إبراهيم : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) [ الشعراء : 78 ] ، الآيات ، فأتى بالماضي في الخلق ، لأنّه مفروغ منه ، وبالمضارع في الهداية والإطعام والإسقاء والشفاء ، لأنها متكرّرة متجدّدة تقع مرة بعد أخرى . الثاني : مضمر الفعل فيما ذكره كمظهره : ولهذا قالوا : إنّ سلام الخليل أبلغ من سلام الملائكة حيث : فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ [ هود : 69 ] ، فإنّ نصب سَلاماً إنما يكون على إرادة الفعل ، أي : سلمنا سلاما ، وهذه العبارة مؤذنة بحدوث التسليم منهم ، إذ الفعل متأخّر عن وجود الفاعل . بخلاف سلام إبراهيم ؛ فإنه مرتفع بالابتداء ، فاقتضى الثبوت على الإطلاق ، وهو أولى ممّا يعرض له الثبوت ، فكأنه قصد أن يحيّيهم بأحسن مما حيّوه به . الثالث : ما ذكرناه من دلالة الاسم على الثبوت ، والفعل على التجدّد والحدوث ، هو
--> ( 1 ) الكشاف 1 / 188 .